أبي حيان الأندلسي

279

تفسير البحر المحيط

ولولا ذلك غلبت العمالقة على بني إسرائيل ، فيكون : الناس ، عاماً والمراد الخصوص . والذي يظهر : أن المدفوع بهم هم المؤمنون ، ولولا ذلك لفسدت الأرض ، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها ، ولكنه تعالى لا يخلي زماناً من قائم يقوم بالحق ويدعو إلى الله تعالى ، إلى أن جعل ذلك في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ) . وقال الزمخشري : لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ، ويكف بهم فسادهم ، لغلب المفسدون ، وفسدت الأرض ، وبطلت منافعها ، وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض . إنتهى . وهو كلام حسن ، والذي قبله كلام ابن عطية . والمصدر الذي هو : دفع ، أو : دفاع ، مضاف إلى الفاعل ، وبعضهم بدل من الناس ، وهو بدل بعض من كل ، والباء في : ببعض ، متعلق بالمصدر والباء فيه للتعدية فهو مفعول ثان للمصدر ، لأن دفع يتعدى إلى واحد ثم عدى إلى ثان بالباء ، وأصل التعدية بالباء ، أن يكون ذلك في الفعل اللازم : نحو : * ( لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ ) * فإذا كان متعدياً فقياسه أن يعدى بالهمزة ، تقول : طعم زيد اللحم ، ثم تقول أطعمت زيداً اللحم ، ولا يجوز أن تقول : طعمت زيداً باللحم ، وإنما جاء ذلك قليلاً بحيث لا ينقاس ، من ذلك : دفع ، وصك ، تقول : صك الحجر الحجر ، وتقول : صككت الحجر بالحجر ، أي جعلته يصكه . وكذلك قالوا : صككت الحجرين أحدهما بالآخر نظير : * ( دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ) * فالباء للتعدية كالهمزة . قال سيبوية ، وقد ذكر التعدية بالهمزة والتضعيف ما نصه : وعلى ذلك دفعت الناس بعضهم ببعض ، على حد قولك : ألزمت ، كأنك قلت في التمثيل : أدفعت ، كما أنك تقول : أذهبت به ، وأذهبته من عندنا ، وأخرجته ، وخرجت به معك ، ثم قال سيبوية : صككت الحجرين أحدهما بالآخر على أنه مفعول من قولك : اصطك الحجران أحدهما بالأخر ، ومثل ذلك : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض . إنتهى كلام سيبوية . ولا يبعد في قولك : دفعت بعض الناس ببعض ، أن تكون الباء للآلة ، فلا يكون المجرور بها مفعولاً به في المعنى ، بل الذي يكون مفعولاً به هو المنصوب ، وعلى قول سيبويه يكون المنصوب مفعولاً به في اللفظ فاعلاً من جهة المعنى وعلى أن تكون الباء للآلة يصح نسبة الفعل إليها على سبيل المجاز ، كما أنك تقول في : كتبت بالقلم ، كتبت القلم . وأسند الفساد إلى الأرض حقيقة : بالخراب ، وتعطيل المنافع ، أو مجازاً : والمراد أهلها . * ( وَلَاكِنَّ اللَّهَ * أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) * وجه الاستدراك هنا هو أنه لما قسم الناس إلى مدفوع ، وانه بدفعه بعضهم ببعض امتنع فساد ارض ، فيهجس في نفس من غلب وقهر عن ما يريد من الفساد في الأرض أن الله تعالى ، غير متفضل عليه ، إذ لم يبلغه مقاصده ومآربه ، فاستدرك أنه ، وإن لم يبلغ مقاصده هذا الطالب للفساد أن الله لدو فضل عليه ، ويحسن إليه . واندرج في عموم العالمين ، وقال تعالى : * ( إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) * وما من أحد إلاَّ ولله عليه فضل ، ولو لم يكن إلاَّ فضل الاختراع . وهذا الذي أبديناه من فائدة الاستدراك هو على ما قرره أهل العلم باللسان من أن : لكن ، تكون بين متنافيين بوجه ما ويتعلق على العالمين بفضل ، لأن فعله يتعدى : بعلى ، فكذلك المصدر ، وربما حذفت : على ، مع الفعل ، تقول : فضلت فلاناً أي على فلان ، وجمع بين الحذف والإثبات في قول الشاعر : * وجدنا نهشلاً فضلت فقيما * كفضل ابن المخاض على الفصيل * وإذا عدى إلى مفعول به بالتضعيف لزمت عليه ، كقوله : * ( فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ ) * . * ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * تلك إشارة للبعيد ، وآيات الله قيل : هي القرآن ، والأظهر أنها الآيات التي تقدمت في القصص السابق من خروج أولئك الفارين من الموت ، وإمامة الله لهم دفعة واحدة ، ثم أحياهم إحياءة واحدة ، وتمليك طالوت على بني إسرائيل وليس من أولاد ملوكهم ، والإتيان بالتابوت بعد فقده مشتملاً على بقايا من إرث آل موسى